ابن أبي الحديد
248
شرح نهج البلاغة
عبد الله بن الزبير لما أتاه خبر المصعب : أنا والله ما نموت حبجا ( 1 ) كما يموت آل أبي العاص ، والله ما قتل منهم قتيل في جاهلية ولا إسلام ، وما نموت إلا قتلا ، قعصا ( 2 ) بالرماح ، وموتا تحت ظلال السيوف . قال أبو عثمان : كأنه لم يعد قتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قتلا ، إذ كان إنما قتل في غير معركة ، وكذلك قتل عثمان بن عفان ، إذ كان إنما قتل محاصرا ، ولا قتل مروان بن الحكم ، لأنه قتل خنقا ، خنقته النساء . قال : وإنما فخر عبد الله بن الزبير بما في بنى أسد بن عبد العزى من القتلى ، لان من شأن العرب أن يفخروا بذلك ، كيف كانوا قاتلين أو مقتولين ، ألا ترى أنك لا تصيب كثرة القتلى إلا في القوم المعروفين بالبأس والنجدة وبكثرة اللقاء والمحاربة ، كآل أبى طالب ، وآل الزبير ، وآل المهلب ! قال : وفي آل الزبير خاصة سبعة مقتولون في نسق ولم يوجد ذلك في غيرهم ، قتل عمارة وحمزة ابنا عبد الله بن الزبير يوم قديد في المعركة ، قتلهما الأباضية ، وقتل عبد الله بن الزبير في محاربة الحجاج ، وقتل مصعب بن الزبير بدير الجاثليق ( 3 ) في المعركة أكرم قتل ، وبإزائه عبد الملك بن مروان ، وقتل الزبير بوادي السباع منصرفه عن وقعة الجمل ، وقتل العوام بن خويلد في حرب الفجار ، وقتل خويلد بن أسد بن عبد العزى في حرب خزاعة ، فهؤلاء سبعه في نسق . قال : وفي بني أسد بن عبد العزى قتلى كثيرون غير هؤلاء ، قتل المنذر بن الزبير بمكة ، قتله أهل الشام في حرب الحجاج ، وهو على بغل ورد كان نفر به فأصعد به في الجبل .
--> ( 1 ) في الأصول : " حبحا " تحريف ، وفي اللسان : " الحبج بفتحتين ، من أكل البعير لحاء العرفج ويسمن عليه وربما بشم منه فقتله ، يعرض ببني مروان لكثرة أكلهم وإسرافهم في ملاذ الدنيا وأنهم يموتون بالتخمة " . وانظر نهاية ابن الأثير . ( 2 ) القعص : الموت الوحي ، يقال : مات قعصا ، إذا أصابته ضربة أو رمية فمات مكانه . ( 3 ) الجاثليق : رئيس النصارى في بلاد الاسلام .